عبد الوهاب الشعراني
328
القواعد الكشفية الموضحة لمعانى الصفات الإلهية
وقد قال في الباب الثّامن والسّتّين وثلاثمائة « 1 » من " الفتوحات " في قوله - تعالى - : وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ « 2 » : الباء في قوله بِالْحَقِّ بمعنى اللّام ، أي للحقّ ، نظير قوله - تعالى - : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ( 56 ) « 3 » ، فإنّ اللّه - تعالى - لا يخلق شيئا بشيء ، وإنّما يخلق شيئا عند شيء طلبا لستر القدرة الإلهيّة ، ولذلك كان - صلّى اللّه عليه وسلّم - إذا أراد نبع الماء من بين أصابعه « 4 » وضع كفّه في ماء قليل سترا وأدبا مع اللّه تعالى « 5 » ، واقتداء به - تعالى - في السّتر ، وإلّا فالمخلوق الأوّل الذي لم يتقدّمه مادّة مخلوق بلا شيء يتعيّن ، ولم يزل الحقّ - تعالى - يخلق على هذه الصّفة ، ولكن لمّا كثر مشاهدة الأسباب المولّدات ظنّ النّاس أنّ اللّه - تعالى - يخلق شيئا بشيء ، ومن هنا قالوا : إنّ للّه « 6 » الفعل بلا آلة ، والفعل بالآلة مشيا على ما تواطأ النّاس عليه « 7 » ، وإلّا فاللّائق بقدرة اللّه - تعالى - أن يخلق الأشياء بلا آلة ، ولو أثبتنا الآلة فهي مخلوقة لا تتحرّك إلّا إن حرّكها محرّك ، وهو اللّه « 8 » كشفا وإيمانا ، والمخلوق شهودا « 9 » ، قال اللّه - تعالى - : الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ « 10 » ، ففيها نفي أوليّة « 11 »
--> ( 1 ) عنوان هذا الباب : " في معرفة منزل الأفعال مثل " أتى " و " لم يأت " وحضرة الأمر وحده " . انظر : الفتوحات المكية ، 6 / 90 . ( 2 ) ( الحجر ، الآية 85 ) . ( 3 ) ( الذاريات ، الآية 56 ) . ( 4 ) " أ " ، " ب " : قوله : " من بين أصابعه " ساقط . ( 5 ) هذا من الأحاديث المشتهرة في مظان الحديث ، ولفظه : " رأيت رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وحانت صلاة العصر ، فالتمس الناس وضوءا فلم يجدوا ، فأوتي رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - بوضوء ، فوضع رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - في ذلك الإناء يده ، وأمر الناس أن يتوضؤوا ، قال : فرأيت الماء ينبع من تحت أصابعه ، فتوضأ الناس . . . " . وفي رواية أخرى : " كنت أرى العيون تنبع من بين أصابع رسول اللّه " . أخرجه أحمد في المسند ، 3 / 132 ، 343 ، ومالك في الموطأ ، كتاب الطهارة ( 32 ) ، 60 ، ومسلم في كتاب الفضائل ( 4 ، 5 ) ، ( 5900 ) ، 15 / 40 ، والنسائي في السنن ، كتاب الطهارة ، 60 . ( 6 ) " ك " ، " ب " ، " ز " : " إن اللّه تعالى " . ( 7 ) " ك " ، " ز " : " على اعتباره " ، " ب " : " اعتياده " . ( 8 ) " ك " ، " ز " : " اللّه تعالى " . ( 9 ) " د " : " والمخلوق مشهود " . ( 10 ) ( البقرة ، الآية 21 ) . ( 11 ) " ك " ، " ز " : " ألوهية " .